ابن رشد

223

تهافت التهافت

هو : إن الموجودات الممكنة الوجود في جوهرها خروجها من القوة إلى الفعل ، إنما يكون ضرورة من مخرج هو بالفعل ؛ أعني فاعلا يحركها ويخرجها من القوة إلى الفعل . فإن كان المخرج هو أيضا من طبيعة الممكن وجب أن يكون له مخرج ، فإن كان ذلك من طبيعة الممكن أيضا ؛ أعني الممكن في جوهره وجب أن يكون هاهنا مخرج واجبا في جوهره غير ممكن ، وذلك ليستحفظ ما هاهنا وتبقى دائما طبيعة الأسباب الممكنة المارة إلى غير نهاية فإنها إذا وجدت غير متناهية على ما يظهر من طبيعتها وكل واحد منها ممكن وجب ضرورة أن يكون الموجب لها ؛ أعني الذي يقتضي لها الدوام شيئا واجبا في جوهره ، إذ قد ظهر من أمرها وجوب المرور فيها إلى غير نهاية ؛ أعني الأشياء الممكنة في جوهرها . فإنه لو وجد وقت ليس فيه متحرك أصلا لما كان سبيل إلى حدوث الحركة ، وإنما وجب أن يتصل الوجود الحادث بالوجود الأزلي من غير أن يلحق الأول تغير بوساطة الحركة التي هي من جهة قديمة ومن جهة حادثة ، والمتحرك بهذه الحركة هو الذي يعبر عنه ابن سينا بواجب الوجود بغيره ، وهذا الواجب من غيره لم يكن بد من أن يكون جسما متحركا على الدوام ، فإن بهذه الجهة أمكن أن يوجد المحدث في جوهره والفاسد عن الأزلي ، وذلك بالقرب من الشيء تارة والبعد منه تارة ، كما ترى ذلك يعرض للموجودات الكائنة الفاسدة مع الأجرام السماوية . ولما كان هذا المحرك واجبا في الجوهر ممكنا في الحركة المكانية وجب ضرورة أن ينتهي الأمر إلى واجب الوجود باطلاق ، أي ليس فيه إمكان أصلا لا في الجوهر ولا في المكان ولا في غير ذلك من الحركات ، وأن يكون ما هذه صفته بسيطا ضرورة ، لأنه إن كان مركبا كان ممكنا لا واجبا واحتاج إلى واجب الوجود ؛ فهذا النحو من البيان كاف عندي في هذا الطريق وهو حق . فأما ما يزيده ابن سينا في هذه الطريقة ويقول : إن الممكن الوجود يجب أن ينتهي : إما إلى واجب الوجود من غيره ، أو واجب الوجود من ذاته ، فإن انتهى إلى واجب الوجود من غيره وجب في الواجب الوجود من غيره أن يكون لازما عن واجب الوجود لذاته ، وذلك أنه زعم أن الواجب الوجود من غيره هو ممكن الوجود من ذاته . والممكن يحتاج إلى واجب ، فإنما كانت هذه الزيادة عندي فضلا وخطأ ، لأن الواجب كيف ما فرض ليس فيه إمكان أصلا ولا يوجد شيء ولا طبيعة واحدة ويقال في تلك الطبيعة أنها ممكنة من جهة واجبة من